الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

يسوع المصلوب ( جبران خليل جبران )


كتبت يوم الجمعة الحزينة 
اليوم وفي مثل هذا اليوم من كل سنة تستيقظ الإنسانية من رقادها العميق وتقف أمام أشباح الأجيال ناظرة بعيون مغلفة بالدموع نحو جبل الجلجلة لترى يسوع الناصري معلقاً على خشبة الصليب ... وعنـدما تغيب الشمس عن مآتي النهار تعود الإنسانية فتركع مصلية أ مام الأصنام المنتصبة على قمة كل رابية و في سفح كل جبل .
اليوم تقود الذكرى أرواح المسيحين من جميع أقطار العالم إلى جوار أورشليم فيقفون هناك صفوفاً صفوفاً قارعين صدورهم محدقين إلى شبح مكلل بالأشواك باسط ذراعيه أمام اللانهاية ناظرمن وراء حجاب الموت إلى أعماق الحياة ولكن لا تسدل ستائر الليل على مسارح هذا النهار حتى يعود المسيحيون فيضطجعوا جماعات جماعات في ظلال النسيان بين لحف الجهالة والخمول .
وفي مثل هذا اليوم من كل سنة يترك الفلاسفة كهوفهم المظلمة والمفكرون صوامعهم الباردة والشعراء أ وديتهم الخالية ويقفون جميعهم على جبل عال صامتين متهيبين مصغين إلى صوت فتى يقول لقاتليه:" ياأبتاه اغفر لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون "... ولكن لا تكتنف السكينة أصوات النور حتى يعود الفلاسفة والمفكرون والشعراء فيكفنوا أرواحهم بصفحات الكتب البالية .
إن النساء المشغولات ببهجة الحياة المشغوفات بالحلى والحلل يخرجن اليوم من منازلهن ليشاهدن المرأة الحزينة الواقفة أمام الصليب وقوف الشجرة اللينة أمام عواصف الشتاء ويقتربن منها ليسمعن أنينها العميق وغصاتها الأليمة .
أما الفتيان والصبايا الراكضون مع تيار الأيام إلى حيث لا يدرون فيقفون اليوم هنيهة ويلتفتون إلى الوراء ليروا الصبية المجدلية تغسل بدموعها قطرات الدماء عن قدمي رجل منتصب بين الأرض والسماء . لكن عندما تمل عيونهم النظر إلى هذا المشهد يتحولن مسرعات ضاحكات .
في مثل هذا اليوم من كل سنة تستيقظ الإنسانية بيقظة الربيع وتقف باكية لأوجاع الناصري ثم تطبق أجفانها وتنام نوما عميقا . أما الربيع فيظل مستيقظا متبسما سائراً حتى يصير صيفا مذهب الملابس معطر الأذيال .
الأنسانية امرأة يلذ لها البكاء والنحيب على أبطال الأجيال . ولو كانت الإنسانية رجلا ً لفرحت بمجدهم وعظمتهم .
ألإنسانية طفلة تقف متأوهة بجانب الطائر الذبيح ولكنها تخشى الوقوف أمام العاصفة الهائلة التي تهصر بمسيرها الأغصان اليابسة وتجرف بعزمها الأقذار المنتنه .
الإنسانية ترى يسوع الناصري مولودا ً كالفقراء عائشاً كالمساكين مهاناً كالضعفاء مصلوباً كالمجرمين
فتبكيه وترثيه وتندبه وهذا كل ما تفعله لتكريمه .
منذ تسعة عشر جيلاَ ًوالبشر يعبدون الضعف بشخص يسوع , ويسوع كان قوياً ولكنهم لا يفهمون معنى القوّة الحقيقية
ما عاش يسوع مسكيناً خائفاً ولم يمت شاكياً متوجعاً بل عاش ثائراً وصلب متمرداً ومات جباراً.
لم يكن يسوع طائراً مكسور الجناحين بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع الأجنحة المعوجة .
لم يجىء يسوع من وراء الشفق الأزرق ليجعل الألم رمزاً للحياة بل جاء ليجعل الحياة رمزاً للحق والحرية .
لم يخف يسوع مضطهديه ولم يخش أعداءه ولم يتوجع أمام قاتليه بل كان حراً على روؤس الأشهاد جريئاً أمام الظلم والاستبداد, يرى البثور الكريهة فيبضعها, ويسمع الشر متكلماً فيخرسه, ويلقي الرياء فيصرعه .
لم يهبط يسوع من دائرة النور الأعلى ليهدم المنازل ويبني من حجارتها الأديرة والصوامع, ويستهوي الرجال الأشداء ليقودهم قسوساً ورهباناً, بل جاء ليبث في فضاء هذا العالم روحاً جديدة قوية تقوض قوائم العروش المرفوعة على الجماجم وتهدم القصور المتعالية فوق القبور وتسحق الأصنام المنصوبة على أجساد الضعفاء المساكين .
لم يجىء يسوع ليعلم الناس بناء الكنائس الشاهقة والمعابد الضخمة في جوار الأكواخ الحقيرة والمنازل الباردة المظلمة , بل جاء ليجعل قلب الإنسان هيكلاً ونفسه مذبحاً وعقله كاهناً .
هذا ما صنعه يسوع الناصري وهذه هي المبادىء التي صُلب لأجلها مختاراً, ولو عقل البشر لوقفوا اليوم فرحين متهللين منشدين أهازيج الغلبة والانتصار .
وأنت أيها الجبار المصلوب, الناظر من أعالي الجلجلة إلى مواكب الأجيال, السامع ضجيج الأمم, الفاهم أحلام الأبدية, أنت على خشبة الصليب المضرجة بالدماء أكثر جلالاً ومهابة من ألف ملك على ألف عرش في ألف مملكة . بل أنت بين النزاع والموت أشد هولاً وبطشاً من ألف قائد في ألف معركة .
أنت بكآبتك أشد فرحاً من الربيع بأزهاره, أنت بأوجاعك أهدأ بالاً من الملائكة بسمائها, وأنت بين الجلادين أكثر حرية من نور الشمس .
إن إكليل الشوك على رأسك هو أجل وأجمل من تاج بهرام، والمسمار في كفك أسمى وأفخم من صولجان المشتري وقطرات الدماء على قدميك أسنى لمعاناً من قلائد عشتروت . فسامح هؤلاء الضعفاء الذين ينوحون عليك لأنهم لايدرون كيف ينوحون على نفوسهم ، واغفر لهم لأنهم لا يعلمون أنك صرعت الموت بالموت ووهبت الحياة لمن في القبور

جبران خليل جبران

الثلاثاء، 25 سبتمبر 2012

عيناها فى الشتاء


انها ليلة عادية , ليلة شتاء لكنها ليست باردة , لم تكن لها رائحة كتلك الليالى الاخرى , رائحة الهواء فى ليالى الشتاء تكون مميزة , كان المنزل خاوياً الا منى , وبعد دقائق اكتشفت انى قضيتها ادور فى المنزل بلا هدف قررت ان اخرج انا الاخر فيرتاح المنزل قليلاً

كل الوجوة غريبة عدا وجه البواب والنجار القابع المنهمك فى عمله امام المنزل وصاحب محل العطور وموظف شباك التذاكر فى محطة القطار ... كلها غريبة عدا هؤلاء , كم اكره الوجوه الغريبة وما تطلقه فى قلبى من شعور بالغربة والوحشة , ولكنى ايضاً سامت الوجوه المألوفة او سأمتنى هى

يخاطبنى : اسف ... فأومى له برأسى ان لا عليك . رغم انى الذى اصتدمت به دون قصد غارقاً فى التفكير

تخرج من احد الشوارع فترانى , يثبت نظرها عليَّ قليلاً ولكنها تدير وجهها وتسير فى طريقها وهو نفس طريقى بالصدفة او جعلته كذلك لا ادرى

شعرها الناعم القصير وقد التف حوله رباط اخضر اللون , عينيها تحمل كثيراً من المشاعر غير المفهومة تصل الى عقلك بمجرد ان تلتقى بشعاع ضوء سبق ان عبر بعينها , لقد رأيتها من قبل , لم نتحدث لكنى رأيتها من قبل , ى القطار ذلك اليوم المزدحم وَقَفتْ بجانبى على الرصيف , ركبت نفس العربة , تحرّجت من كثرة نظراتى لها , فهكذا انا دائماً افضح نفسى بنفسى , فقد رأتنى انظر اليها مرات عدة , لكنها بالتأكيد كانت تنظر هى الاخرة لذلك رأتنى , تبادلنا اكثر من عشرون نظرة فى دقائق معدودات يومها , كانت محطتنا واحدة لكن على الرصيف فقدتها فى وسط الزحام الشديد .. لا ازال اذكر هذا اليوم جيداً , لا ازال اذكر عينيها

ما احتمالية ان ترى احد الغرباء مرتين ؟ هؤلاء الذين تقابلهم فى الطريق ما احتمالية ان تقابلهم مرتين وتتذكرا بعضكم البعض ؟

اسرعت فى خطواتى حتى صرت اسير محازياً لها , لم اعرف ماذا اقول ولكن كان يجب ان اقول . تلك الصدفة او الترتيب لا اعلم , يمنحه لك القدر مرات قليلة , ولا ينبغى ان يضيع . قلت لها : "لم نعد غرباء لقد تلاقينا مرتان" .
 نَظَرت الى الارض وارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة تستغرب جرأتى ولكن تظهر توقعها لفعلتى
قالت : "ليس كل من تقابلا فى الطريق مرتان صارا اصدقاء"
قلت : "فعلاً , لكننا ليسو بغرباء , لا اعرف سبباً لهذا لكنى اعرفه , عينيكى تخبرنى هكذا "
نظرت الى ببسمة اكثر دفئاً دون ان تجيب
هى تكره عالم الغرباء مثلى , مر على هذا الامر سنين كثيرة , لكنى اتذكره كل يوم عندما استيقظ فانظر فى عينيها اول شئ صباحاً , كذلك فى الليل انام ناظراً اليهما  فاشعر بكل الدفء الذى فى العالم يحيط بى , وانسى اليوم كله بزحامه وغرباءه بعيونهم الباردة الفضولية
لا اتخيل يوماً لى على الارض بلا عيناها

فادى فتحى
من اوراق قديمة لا اذكر متى كتبتها 


 

السبت، 22 سبتمبر 2012

هناك الله


طالما يأتيني هذا الاحساس الغريب ، ان الله يحضر في اماكن اكثر من الاخري ، ان روحه يرفرف في اماكن بعينها هي التي يشعر فيها البشر بالراحة والامان والحب لكل الحياة 
اعتقد اني كرهت المدينة لدرجة اني اعتقدت بعدم وجود الله فيها ، في المدينة لا حب لا رحمة لا هدوء لا موسيقي لا شفقة ، سرعة ، غضب ، ضغينة ، كره ، مؤامرات ، مشاجرة ، مظاهر ، مال 
ولكني اكاد اري الله يومياً بعيداً عن المدينة في ابتسامة و تحية صباح من شخص لا اعرفه في شوارع احد القري الفقيرة اطلنا النظر لبعضنا البعض ، في فلاح يمزح ضاحكاً لزوجته وهو يعمل ، في صياد يلقي شباكه وهو يصيح بأمل باسماً نحو السماء يارزاق 
اري الله في مساكين الله، اري الله في حب غرباء لبعضهم فكأنهم ليسوا بغرباء ، في صوت عصافير الصباح علي اشجار طويلة العمر او حقول تبعث في النفس راحةً وطمأنينةً لا توصف، وفي مُسن يسعي باكراً عمله يبدو من خشوعه انه يذكر صامتاً ، او يحني راسه اذا مر امام بيت الله 
طيبة القوم تشع من وجوههم تقول عن الله 
الشمس هناك كأنها تنير الروح ولا تحرق فحتي الطبيعة تبتسبم لتلك الاماكن وتفيض عليها ، البشر يحبون الطبيعة هناك وهي تحبهم 
هناك الله في كل مكان فالحب هناك في كل مكان وهو المصدر الوحيد -الذي اعرفه- للحب
-يالقباحة المدينة 
هذا ما يحسه قلبي ويعجز عن سرده في كلمات باكثر من هذا
 
فادى فتحى
22-9-2102
6:00 am



الثلاثاء، 11 سبتمبر 2012

حباً صوفياً


هكذا اتخيلها .. ستملأ حياتى بما ينقصها من مرح وما افتقده من ضحك وسعادة فذاك هو ضلعى الناقص .. لا اتخيلها تبكى ابداً . بل اتخيلها دائماً سبب ابتسامى ورضاى فى غمر حزنى .. ستساعدنى ان انسى كل شئ وانام على صدرها .. وان اضحك الان والهو كالطفل الصغير بجوار اقدامها نائمة  .. ستمنحنى سلاماً بالهروب من حروب عالمى الى حضنها الدافئ .. ستمنحنى الحنان وسط العواصف
لكنها لن تفهمنى حين اكلمها عن الانسانية والسلام العالمى عن مثُلى العليا , عن يساريتى وكفاح الكادحين . عن الفقراء وصراع الطبقات .. لن تفهم شفقتى و بكائى على الحيوانات الضالة . لن تفهم هيمى بالوطن وحبى  للقرى الريفية الصغيرة وعشقى لرائحة الحقول . واستمتاعى بالطرق الفارغة ليلاً . لن تفهم كيف احب السفر .. لا اظن انها تعشق صوت فيروز مثلى فى الصباح . هل ستفهم قصصى القصيرة الغير مكتملة ... كم اكره الزحام وضوضاء البشر هل سترغب مثلى فى يخت فضى وجزيرة خاوية وانا وهى فقط
هل ستقدر كرهى للاجتماعيات .. هل ستغار من كتاب يأسر عقلى لفترة .... هل ستفهم صمتى وكلامى غير الواضح حينما احزن
بالتأكيد لن اجد فيها كل شئ . لكننى لن اتردد ابداً عن حبها .. حباً صوفياً اكون فيه ناسكاً منقطعاً لحبها هى وحدها .. زاهداً فى هذا الحب راضياً بما القاه على قلته ... حتى وان لم القى حبها تماماً ساظل متصوفاً لها .. فكهذا تعلمت الحب

فادى فتحى
11\9\2012
6:40 am