"راودني حلم الطيران منذ الصغر ولكني فشلت في الالتحاق بكلية الطيارين .. الان عاد يخاجلني بقوة هذا الحلم ولكن بشكل مختلف هذة المرة . ليست رغبتي فى الطيران الان هي تعطشاً لمرور الهواء علي وجهي سريعاً ومشاهدة الارض من علو ساحق بقدر ما اصبحت ارغب في الطيران هرباً . هرباً من شيئاً ما لست اعرفه . اشعر بالاختناق الان اكثر من اي وقت مضي , صرت لا اطيق الغرباء الذين يمرون بحولى في الطرقات . اجلس في غرفتي اياماً , لم اعد اطيق النظر من نافذتي الي كل تلك المبانى التي حجبت الشمس وكواكب الليل عني , كل شئ يدعو للاختناق , ارغب في التحليق بعيداً . الي شاطئ مهجور ربما مررت بجواره ذات مرة في طريقي الى بلده ساحلية تعج بالغرباء
لا اعرف كيف صار وجود البشر يخنقني بهذا الشكل مؤخراً
لطالما كنت اختنق بالعمل والدراسة بالمباني الشاهقة والسيارات والطرقات المزدحمة والمدينة عامةً . لكن ما جد هو ان اضيق خلقاً بوجود سكان المدينة حولى . لكن لا اعرف الي اين اهرب قد اصبح كل مكان مدينة
هم يشفقون عليّ وانا اشمئز منهم الي درجة تجعلني انظر الي الارض المتربة او عواميد الانارة متجنباً النظر الي وجوهم
الشئ الوحيد الذي لم تكن هي تشبهي فيه هو شعورى بالغربة هذا . كانت تحب البشر والمدينة . تخيلت انها ربما تكون حلي الوحيد لاتمكن من تقبل هذة الغربة المؤلمة . كنت انظر اليها فى طرقات المدينة المزدحمة بعين تحمل تعبيرات طفل مذهول ينظر لامه وهو علي وشك البكاء حين رأي العالم للمرات الاولى في حياته وهاله كيف ان العالم كبيرٌ وصاخب للغاية من حولهم
هي لم تفهمني , لكنها كانت تشعر بي وتحاول ان تضمني كما امي
لكنها رحلت وبقيت انا وحدي في طرقات المدينة المزدحمة . افكر فيها كل مرة خرجت من المنزل لاشعر بالامان . اشتاق الي حضنها الذي لم يفهمني هذا لكنه ضمني بقوه فانقذني من الم غربتي , كنت اقول لها كلما ضقت بشعور الاختناق انه لا احد لي سواكٍ , كانت تحتضنني حينها , لكنها لم تفهم , ولهذا لم تتردد عندما قررت ان ترحل . لانها لم تفهم مقدار اهمية وجودها في حياتي في وسط كل هذة الامور التي تحاول الفتك بعنقي . لم تفهم انها هي الشئ الوحيد الذي تشبث بي ليمنعني من الطيران بعيداً عالياً جداً . هي التي ابقتني علي الارض وجعلتني اظل آمل في امكانية استمرار حياتي وسط كل هذا . لم تفهم معني انها كانت وطني الوحيد وسط كل هذة الغربة , فرحلت وبقيت انها افكر فيها حين اركض فجراً في الشوارع الخالية شاعراً براحة نسبية . وحين اسير وسط الاف البشر في الطرق المزدحمة . وافكر فيها في مجالس اصدقائي وفي اوقات عملي وفراغي ونومي . واشعر للغاية بالحنين الي وطني الذي صار بعيداً هذا . الذي لم ارحل عنه بل رحل عني , صار الذكريات والحنين يخنقاني هما ايضاً , يطارداني في كل الاماكن وحتي بلا اماكن.
انا لم اطق الانتظار كعادتي ولم اطق الاختناق . فقررت ان اطير . ساطير لاول مرة في حياتي لاني لم اعد اتحمل الضغط من حولي من كل اتجاه . "
بمعاينة الرسالة واوراق شخصية اخرى بالغرفة ( مؤكد انها مكتوبة بيد المجني عليه ) تبين لنا ان الورقة مكتوبة بخط يد المجني عليه ومن فحص الحبر علي الورقة تبين انه كتبها في نفس يوم الوفاه , مما يجعلنا نستبعد اي شبهة جنائياً ومما يؤكد رواية شهود العيان بأن المجني عليه قفز من شرفة غرفته بالفندق في الدور ال 20 في الثالثة ظهراً فارداً ذراعيه , ولامست رأسه الارض اولاً علي الطريق وسط المارة وفارق الحياة متأثراً بتهتك في المخ وكسور بالغه
فادي فتحي

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
يهمنى ان اعرف رأيك